أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

193

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

مشددة ، ووجهها أن يكون « أَنْفُسَهُمْ » اسمها ، و « يَظْلِمُونَ » الخبر ، والعائد من الجملة الخبرية على الاسم محذوف تقديره : ولكنّ أنفسهم يظلمونها ، فحذف ، وحسّن حذفه كون الفعل فاصلة ، فلو ذكر مفعوله لفات هذا الغرض . وقد خرّجه بعضهم على أن يكون اسمها ضمير الأمر والقصة حذف للعلم به ، و « أَنْفُسَهُمْ » مفعول مقدّم ليظلمون كما تقدّم ، والجملة خبر لها ، وقد ردّ هذا بأنّ حذف اسم هذه الحروف لا يجوز إلا ضرورة كقوله : 1401 - إنّ من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء « 1 » على أن بعضهم لا يقصره على الضرورة ، مستشهدا بقوله عليه السّلام : « إنّ من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصوّرون » « 2 » ، قال : « تقديره إنه » ، ويعزى هذا للكسائي ، وقد ردّه بعضهم ، وخرّج الحديث على زيادة « من » والتقدير : إنّ أشدّ الناس . والبصريون لا يجيزون زيادة « من » في مثل هذا التركيب لما عرف غير مرة إلا الأخفش . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 118 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) قوله تعالى : مِنْ دُونِكُمْ : يجوز أن يكون صفة ل « بِطانَةً » فيتعلّق بمحذوف ، أي : كائنة من غيركم . وقدّره الزمخشري : « من غير أبناء جنسكم ، وهم المسلمون » ويجوز أن يتعلّق بفعل النهي . وجوّز بعضهم أن تكون « مِنْ » زائدة ، والمعنى : دونكم في العمل والإيمان . وبطانة الرجل : خاصّته الذين يباطنهم في الأمور ، ولا يظهر غيرهم عليها مشتقة من البطن ، والباطن : دون الظاهر ، وهذا كما استعاروا الشّعار والدّثار في ذلك . قال عليه السّلام : « الناس دثار والأنصار شعار » « 3 » . والشّعار ما يلي جسدك من الثياب . ويقال : « بطن فلان بفلان بطونا وبطانة » قال الشاعر : 1402 - أولئك خلصاني نعم وبطانتي * وهم عيبتي من دون كلّ قريب « 4 » قوله : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا يقال : « ألا في الأمر يألو فيه » أي : قصّر نحو : غزا يغزو ، فأصله أن يتعدّى بحرف الجر كما ترى . واختلف في نصب « خَبالًا » على أوجه . أحدها : أنه مفعول ثان . والضمير هو الأول ، وإنما تعدّى لاثنين للتضمين . قال الزمخشري : « يقال : ألا في الأمر يألو فيه أي : قصّر ، ثم استعمل معدّى إلى مفعولين في قولهم : « لا آلوك نصحا ولا ألوك جهدا » على التضمين ، والمعنى : لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه » . الثاني : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر ، والأصل : لا يألونكم في خبال أي : في تخبيلكم وهذا غير

--> ( 1 ) البيت للأخطل انظر ديوانه ابن يعيش 3 / 115 ، ابن الشجري 1 / 295 ، المقرب ، رصف المباني ( 119 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري 7 / 307 ، كتاب اللباس ، ( 5950 ) ، ومسلم 3 / 1670 ، كتاب اللباس ( 89 - 2109 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري 7 / 644 ، كتاب المغازي ( 4330 ) ، ومسلم 2 / 738 ، كتاب الزكاة ( 139 - 1061 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 33 .